السبت، 28 مايو، 2011

علاقة الماركسية التحررية باللاسلطوية ( الأناركية ) .. للأناركي الأمريكي واين برايس



علاقة الماركسية التحررية باللاسلطوية ( الأناركية )
واين برايس
ترجمة : مازن كم الماز


إنني أجد مرة تلو أخرى أن الاستنتاجات التي توصلت إليها ببطء و بشكل غير كامل كان قد جرى التعبير عنها بالفعل بشكل كامل و بشكل واضح ( و يمكنني القول أيضا , بشكل جميل ) من قبل كارل ماركس . هكذا كنت أنا أيضا ماركسيا ! لقد عزمت رأيي بسعادة , لأنه من الممتاز أن تنتمي إلى إرث ما و أن يكون لديك أصدقاء أذكياء . هذا ماركس كعالم نفس اجتماعي . لكن فيما يتعلق بالعمل السياسي ... لم يبد لي أبدا أن شعارات الماركسيين , و لا حتى شعارات ماركس نفسه , قد أدت إلى اشتراكية أخوية ( أي تتطلب غياب الدولة أو أية قوة إكراه أخرى ) , بل لقد دفعت الأمور بعيدا عنها . كان باكونين أفضل . أتفق في هذا مع كروبوتكين . ( بول غودمان , 1962 , ص 34 ) .

الانبعاث العالمي الحالي للاسلطوية ( للأناركية ) ينسب إلى تراجع الماركسية . لكن يبقى هناك تيار في الماركسية ( الماركسية التحررية أو الداعية إلى الاستقلال الذاتي Autonomist ) يشعر اللاسلطويون ( الأناركيون ) أنهم قريبون منه و الذي يعبر أنصاره عن قربهم من اللاسلطوية . تسمح سمات هذا التيار التحررية – الديمقراطية , الإنسانية , للاسلطويين ( الأناركيين ) باستخدام جوانب قيمة في الماركسية ( مثل تحليلها الاقتصادي أو نظرية صراع الطبقات ) . لكنه ما يزال يحتوي على نقاط الضعف الرئيسية في الماركسية . و بطريقة معينة ما يزال يضم نفس نقاط ضعف اللاسلطوية ( الأناركية ) نفسها , عوضا عن أن يكون بديلا عنهما . لهذه النسخة من الماركسية الكثير لتقدمه للاسلطويين ( الأناركيين ) لكنها ما تزال ناقصة في الأساس , كما سأظهر فيما يلي .
من الثلاثينيات حتى الثمانينيات على الأقل كانت اللاسلطوية ( الأناركية ) هامشية في اليسار الأممي الذي سيطرت عليه الماركسية . بينما بدأت الستينيات في الولايات المتحدة بنداءات "لديمقراطية تشاركية" , فإنها انتهت بهتافات مثل "هو , هو , هوشي منه , جبهة التحرير الوطني ( الفيتنامية ) ستنتصر!" و دعوات لكتاب ماو الأحمر الصغير – أي بدعم الدول الستالينية البربرية . حتى الجوانب التحررية في الماركسية – مثل تنظيم الطبقة العاملة أو هدف مجتمع لا يوجد فيه استلاب – جرى تجاهلها .
لكن جدار برلين سقط في عام 1989 و سرعان ما تبعه الاتحاد السوفيتي . تبنت الصين رأسمالية صريحة قائمة على السوق . لقد فقدت الثقة في الماركسية إلى حد كبير . لكن الرأسمالية العالمية لم تتحسن – كان سقوط رأسمالية الدولة الروسية في الواقع جزءا من الأزمة العالمية للرأسمالية . لذلك فإن الجزء الكبير من المعارضة الصاعدة , التي تألفت في الماضي من تنويعات مختلفة من الماركسية شق طريقه في الوقت الحاضر إلى الراديكالية البديلة , إلى اللاسلطوية ( الأناركية ) .
جاء تاريخ الهزيمة و الخيانة من جانب الماركسية في موجتين كبيرتين . اعتبارا من وقت أنجلز تم تشكيل أحزاب اشتراكية ديمقراطية في أوروبا . مع إستراتيجية لا تتجاوز انتخابها إلى البرلمان , قامت هذه الأحزاب ببناء أحزاب جماهيرية و نقابات بيروقراطية حتى انهار كل شيء في الحرب العالمية الأولى , دعمت عندها معظم هذه الأحزاب "حكوماتها" الإمبريالية و قاتلت ضد رفاقها الأعضاء في الأممية الاشتراكية . و بعد الحرب العالمية الأولى عارضت الثورة الروسية و عملت على تخريب الثورات في بلادها , خاصة في ألمانيا . و فشلت في الثلاثينيات في محاربة الفاشية , خاصة النازية . و دعمت بشكل غير مشروط إمبريالية الحلفاء في الحرب العالمية الثانية , ثم أصبحوا عملاء لإمبريالية الولايات المتحدة في الحرب الباردة . الآن فإن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية و الأحزاب العمالية الأوروبية قد تخلت بالكامل عن أي إيمان بشكل جديد للمجتمع , داعية إلى شكل رخو من الليبرالية , إن لم تكن النيوليبرالية نفسها دون أي تحفظ .
أثناء الحرب العالمية الأولى صمم لينين , تروتسكي و آخرون على أن يقوموا ببداية جديدة , أن يعودوا إلى الجذور الثورية للماركسية في أممية جديدة . النتيجة , كما هي معروفة , كانت رأسمالية الدولة الستالينية في روسيا , و خلق الأحزاب الستالينية في كل مكان . لقد فشل الستالينيون تماما في قيادة ثورات الطبقة العاملة في أوروبا أو في أي مكان آخر ( الذي كان الهدف الأصلي لمشروعهم ) . أقيمت دول الأحزاب الشيوعية الجديدة فقط بواسطة الجيش الروسي أو بواسطة جيوش فلاحية يقودها مثقفون من الطبقات الدنيا – أي بواسطة قوى خارج الطبقة العاملة . بعد أن خلقت أكواما من الجثث , غرقت رأسمالية الدولة الروسية في انعدام كفاءتها و انهارت في نهاية المطاف . إن إرثها هو بؤس أوروبا الشرقية و جزء كبير من آسيا . الأحزاب الشيوعية القائمة ليبرالية بنفس درجة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية القائمة .
إضافة إلى هذين الفشلين الكبيرين للماركسية , كانت محاولة تروتسكي لإعادة خلق الماركسية اللينينية في أممية رابعة جديدة فشل آخر . التيارات التروتسكية المختلفة اليوم هي تنويعات ( تفرعات ) من الستالينية , القومية , و – أو الإصلاحية الاشتراكية الديمقراطية .
سيبدو أن هذا التاريخ سيشكك ( سيؤدي لفقد الثقة ) في الماركسية . فبعد كل شيء ليست الماركسية مجرد أفكار جيدة , مثل المسيحية . بل يفترض بها أن تكون ممارسة , نظرية و ممارسة . كما نقل عن أنجلز كثيرا , "إن إثبات وجود الحلوى هو في أكلها" . فإن الفشل الكبير سيشكك فيها بالتأكيد .
لكن الماركسية ما تزال تملك جاذبية ما في اليسار , خاصة مع تلاشي ذكريات الشيوعية القائمة على رأسمالية الدولة . إن لديها جسد نظري – مكتبات بأكملها من النظرية – و تاريخ من التجارب في كل الثورات الكبرى اعتبارا من عام 1848 . اللاسلطوية ( الأناركية ) على الطرف الآخر محدودة في نظريتها بشكل سيء السمعة , و خبرتها الثورية محدودة . لذلك فإن الكثير من اللاسلطويين ( الأناركيين ) يبحثون عن تيار في الماركسية قد يكون متوافقا مع ما هو هام في اللاسلطوية ( الأناركية ) .
تيار الأقلية هذا في الماركسية سمي بالماركسية التحررية أو بعد هاري كليفر الماركسية القائمة على التسيير الذاتي Autonomist ( ليس للتحررية هنا ما يجمعها بالليبرتاريين الأمريكان اليمينيين أنصار الملكية الخاصة ) . التيارات المشاركة تاريخيا فيها هي "الشيوعيون المجالسيون" الأوروبيون بعد الحرب العالمية الأولى , و تيار "جونسون – فوريست" ( سي ل ر جيمس و رايا دونايفيسكايا ) في الأربعينات و الخمسينيات الذي انشق عن الحركة التروتسكية كما كان حال مجموعة كورنيليوس كاستورياديس اشتراكية أو بربرية في فرنسا . كان هنا أيضا الموقفيون الفرنسيون , و حركات "التسيير الذاتي" الألمانية و الإيطالية الأخيرة . ( من المثير للاستغراب أنني وجدت فقط إشارات نادرة في الولايات المتحدة لويليام موريس , الماركسي البريطاني الطوباوي الكبير في ثمانينيات القرن التاسع عشر ) . ما يزال أنصار دونايفيسكايا ينشطون في لجنة الأخبار و الرسائل . كان كاستورياديس خاصة مثير للاهتمام في أنه و مجموعته انتقلوا من الماركسية التحررية إلى خارج الماركسية ( كورتيز , 1997 , دونايفيسكايا 1992 , راتكليف 1976 ) .
ينظر كثير من اللاسلطويين ( الأناركيين ) بشكل إيجابي لهذه التيارات من الماركسية التحررية . نعوم تشومسكي في مقدمته لكتاب ( دانييل غورين ) عن اللاسلطوية ( الأناركية ) اقتبس عن أنطون بانيكوك عن الشيوعيين المجالسيين و استنتج أنه "في الواقع , فإن الماركسية الراديكالية تندمج مع التيارات اللاسلطوية ( الأناركية )" ( 1970 , الصفحة XV ) . بعض الماركسيين يرفضون هذه الصلة . أنطونيو نيغري المفكر الرئيسي لحركة التسيير الذاتي الإيطالية أعلن في كتابه الهام الإمبراطورية , " .. نحن لسنا لاسلطويين ( أناركيين ) , بل شيوعيين" ( هاردت و نيغري , 2001 , ص 350 ) . لكن كليفر و هو ماركسي داعي للتسيير الذاتي ( ربما يكون هو من اخترع هذا التعبير ) كتب مقالة في عام 1993 دافع فيه عن "تشابهات" قوية بين كروبوتكين و ماركسية كليفر . كتب اثنان من مؤيدي س ل ر جيمس "يمكن للماركسية أن تعني أي شيء من اللاسلطوية التحررية إلى الديكتاتورية الستالينية الشمولية . إننا نذهب في الاتجاه الأول .." (Glaberman and Faber , 1998 , ص 2 ) . بمعنى من المعاني فإنها الفرصة الأخيرة للماركسية لتثبت أنه يمكنها أن تكون تحررية ... أو صادقة على الأقل .
قد يتفق اللاسلطويون ( الأناركيون ) أو لا يتفقون مع الكثير من تحليل ماركس الاقتصادي أو السياسي . بالنسبة للاسلطويين ( للأناركيين ) ما هو الأكثر إيجابية فيما يتعلق بهذه الاتجاهات التحررية في الماركسية هو الإيمان بالنشاط ( الفعالية ) الذاتي للطبقات العاملة . أنها ترفض فكرة أن نخبة ( في شكل حزب ما ) يمكن أن تكون بديلة عن العمال و تستولي على السلطة باسم العمال . عوضا عن ذلك يؤكدون على خلق مجالس عمالية و شعبية تلك التي ظهرت في كل صعود ثوري ( 1975 , Root and Branch ) . يشعرون أنه يجب على هذه المجالس أن تتحد كسلطة جديدة تحل مكان أشكال الدولة القديمة . عوضا عن التركيز على سياسة قمة النقابات البيروقراطية الكبيرة فإنهم ينظرون إلى النضالات على أرض المعمل , مظهرين كيف تؤثر مبادرات العمال على عملية الإنتاج بطريقة يومية . ( 1998 , Glaberman and Faber ) . إنهم يدرسون كيف يمكن للإضرابات الجماهيرية أن تبدأ , أبعد من الحدود التي يضعها موظفو النقابات ( 1972 , Brecher ) . كان اهتمامهم منصبا على إبداع الطبقة العاملة و كل المضطهدين , الذي سماه نيغري و كليفر "بإثبات الذات" . بعض أهم الأفكار الثورية القيمة عن تحرر السود طورها سي ل ر جيمس – رغم أن هذه الأفكار قد طورت غالبا قبل أن ينهي علاقته بالتروتسكية ( 1996 , McLemee ) .
أثناء الكساد الكبير و الحرب الباردة , عندما كان اللاسلطويون ( الأناركيون ) قلة , أبقى الماركسيون الداعون للتسيير الذاتي أفكار الإبداع الذاتي للعمال حية . حافظوا على معارضة ثورية للستالينية و الرأسمالية الغربية في نفس الوقت . لقد حللوا الستالينية بشكل صحيح على أنها رأسمالية دولة , و ليس نوعا ما من مجتمع يتقدم نحو الاشتراكية ( دولة عمال منحطة , مجتمع بعد رأسمالي , دولة انتقالية , الخ ) . أعلنوا أن انتعاش الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية كان ناقصا بشكل أساسي . و توقعوا أنه سيتوقف في نهاية المطاف – كما جرى في الستينيات ( 1969 , Mattick ) . يمكن للاسلطويين ( الأناركيين ) أن يقدروا هذا كله .
أراد الماركسيون التحرريون أن يعيدوا تفسير الماركسية بعيدا عن النسخ الأرثوذكسية التي درسها الاشتراكيون الديمقراطيون أو الستالينيون . يرى التيار السائد في الماركسية أن العملية التاريخية تسير بشكل آلي ( أوتوماتيكي ) , مرحلة تتلوها مرحلة أخرى , أطروحة يتلوها نقيضها , حتى تصل الرأسمالية مرحلتها الأخيرة ( التي يشار إليها بشكل متفائل "بالرأسمالية الأخيرة" أو "المرحلة الأخيرة للرأسمالية" ) , ليتلوها بصورة صارمة ( جامدة ) الاشتراكية و من بعدها الشيوعية . التاريخ بالنسبة للماركسيين الأرثوذوكسيين هي شيء ما يقع ( أو يحدث ) للناس في معارضة شيء ما يفعله الناس . بالنسبة لهم فإن "الوعي الطبقي" يعني أن العمال يصبحون مدركين لما يتعين ( يفرض ) عليهم فعله من قبل الصيرورة التاريخية . يقتبس القول التالي من هيغل أحيانا , "الحرية هي وعي الضرورة" . يتحدثون غالبا عن الاشتراكية على أنها "حتمية" , فإن منظرو التيار السائد في الماركسية يرون الاشتراكية كنتيجة حتمية لصيرورة آلية أو ميكانيكية للتطور الاجتماعي . خصوم الماركسية من اليمين و اليسار أوضحوا بالطبع أنه حتى لو بدا شيء ما حتميا فإن هذا لا يعني أن يجب أن يكون مرغوبا . ما الذي في الاشتراكية الذي يجب على العمال أن يناضلوا و يضحوا في سبيله ( ناهيك عن سواهم ) ؟ الماركسية الأرثوذوكسية لا تجيب على هذا السؤال .
محاولات الماركسيين التحرريين للتخلص من آلية ( ميكانيكية ) الماركسية ( و التي سوف أشير إليها ) لم تكن ناجحة تماما . لا يمكن أن تكون ناجحة تماما , حيث أنها ليست تفسيرا خاطئا للماركسية بل جزء مركزي من ماركسية ماركس . كل فكرة ( كتاب ) رأس المال هي أن الاشتراكية يجب أن تقع . لكن يمكنك أن تقرأ مجلدات من كتابات ماركس ( و قد فعلت هذا بالفعل ) دون أن تجد أي عبارة لماذا أن الاشتراكية جيدة أو تستحق أن نسعى إليها . لكن ماركس كتب الكثير من النقد للطوباويين و اللاسلطويين ( الأناركيين ) لأنهم تقدموا بأسباب أخلاقية دعما للاشتراكية .
هذا الفهم الميكانيكي و اللاأخلاقي للماركسية كان له نتائجه السلبية . بالنسبة للبلاشفة أصبح هذا الفهم سببا للاستبداد . معتقدين أن الحزب يعرف الحقيقة المطلقة عما يجب أن يحدث ( أي أنه يملك الوعي الطبقي الصحيح ) , و من المؤكد أنه لم يضع موضع التنفيذ فقط تلك المهام الضرورية تاريخيا , لقد شعروا أن قتل أو قمع الآخرين هو عمل مبرر – في سبيل التحرر الإنساني بالطبع . في النهاية ظنوا أن كل شيء سيسير على ما يرام في نهاية الأمر .
بالنسبة للاشتراكيين الديمقراطيين , هذه الميكانيكية الفاقدة للحس الأخلاقي تبرر السياسة السلبية اللاثورية . كما قلت فقد بنوا أحزابا سياسية شاركت في الانتخابات , و دعموا نقابات جماهيرية تفاوضت مع رأس المال . لذلك لم يكن لديهم أية إستراتيجية سوى أن يستمروا فقط . في نفس الوقت ارتكبوا فظائعهم الخاصة بدعمهم إمبريالية دولهم . هم أيضا شعروا أن كل شيء سيصبح جيدا في النهاية . هذا القبول بالتطور الرأسمالي , هذه الثقة من أنه سيقود إلى الاشتراكية , قادت الماركسيين لقبول جوانب أخرى من الرأسمالية . مثلا جرت الموافقة على التكنولوجيا الرأسمالية المعادية للبيئة , التي صممت لأغرض الاستغلال . و بنفس الطريقة قبلت كل الاتجاهات المركزية في التنظيم الاقتصادي , السياسي و العسكري , تلك التي أدت إلى كوارث إنسانية هائلة .
هذا دون أن ننكر أن هناك اتجاهات فعلية في الرأسمالية تدفع نحو الحرية الاشتراكية , خاصة نضال الطبقة العاملة , كما علم ذلك ماركس . لكن هناك اتجاهات معادية ( مثل الاتجاه نحو شراء العمال الأفضل حالا و ميل العمال الذين هم أسوأ حالا لكي يستسلموا ) . لا توجد هناك أية ميكانيكية , أو حتمية فيما يتعلق بالثورة الاجتماعية . إن الرأسمالية لن تخلق الاشتراكية لنا .
بعض الماركسيين التحرريين مثل جيمس و دونايفيسكايا و أتباعهما حاولوا تحطيم النسخة الميكانيكية من الماركسية بالعودة إلى فلسفة هيغل . كان هذا طريق مسدود . صحيح أن ديالكتيك هيغل يصور العالم في شكل دينامي , متناقض , مترابط ( إيكولوجي غالبا ) عوضا عن أن يصوره بشكل ميكانيكي و جامد . لكنه يبقى يرى التاريخ على أنه يسير وفق صيرورة ( عملية ) أوتوماتيكية تسير نحو غايتها الحتمية . هذه الغاية كانت خلق فلسفة هيغل . إن تنظيم الناشطين لكي يدرسوا بعمق أكبر هذه النسخة السلطوية و شديد الاغتراب عن الواقع ( أي جلب هيغل إلى العمال ) هو شكل خاص من النخبوية . حرر ماركس نفسه من هيغل و من الخطأ العودة إلى الوراء .
كليفر ( الذي لا يشير كثيرا إلى هيغل ) يظهر أيضا فشلا مماثلا في التغلب على الميكانيكية الماركسية , حتى عندما يعتقد أنه قد تجاوزها . إنه مثلا يطري على كروبوتكين ( كليفر 1993 ) لأنه كشف أية جوانب من المستقبل قد ظهرت اليوم بالفعل , لأنه يظهر كيف أن القوى الحالية ستصبح هي نفسها المستقبل . على العكس فإنه يرفض خاصة تفسير جورج وودووك بأن كروبوتكين كان قد طرح الأمور كاحتمالات فقط قد تحدث ( أو لا ) . و وودووك يرفض تحليلا ينصب على ما يجب أن يكون عليه المستقبل . عوضا عن ذلك يركز كروبوتكين كليفر على الأشياء في الحاضر التي ستتطور كقانون و بشكل مؤكد إلى اللاسلطوية ( الأناركية ) الشيوعية .
من المثير للاهتمام أن هذا الجانب بالتحديد في كروبوتكين كان هو الذي انتقده مالاتيستا . مالاتيستا , اللاسلطوي ( الأناركي ) الإيطالي الكبير كتب كتابه "ذكريات و نقد لصديق قديم" كإحياء لذكرى كروبوتكين . إن "خطأي" كروبوتكين الأساسيين اللذين انتقدهما مالاتيستا بشكل خاص كانا "الجبرية الميكانيكية" و "تفاؤله المفرط" . يشير مالاتيستا إلى أن هذه الأخطاء قد قادت إلى خيانة كروبوتكين للاسلطوية ( الأناركية ) عندما دعم الحلفاء الغربيين في الحرب العالمية الأولى ( كان يفترض أن الألمان يعيقون التطور الأوتوماتيكي للتعاون و الاتحاد الحر في شعوب الحلفاء ) . كليفر لا يذكر هذا , رغم أن هذا صحيح أيضا بالنسبة لكل المعجبين بكروبوتكين .
الآلية الميكانيكية للماركسيين التحرريين لا تمر عبر مفهوم الحزب فقط , بل أيضا في رؤيتهم للجماهير . فهم واثقون من أن العمال في نهاية المطاف سيدفعون الأمور في الاتجاه الصحيح . أظهر التحرريون تقديرا قليلا لوعي العمال المختلط ( الهجين ) المتأثر بالهجوم المتواصل لوسائل الإعلام الجماهيرية . إنهم ينكرون الحاجة للتنظم كي يناضلوا ضد القوى المحافظة أو الاشتراكية الديمقراطية أو الستالينية داخل الطبقة العاملة . كماركسيين , فإن دعاة التسيير الذاتي سلبيون أمام قوى التاريخ .
بنفس الطريقة يرفض الشيوعيون المجالسيون فكرة أن الاشتراكية قد تنتصر في الشعوب المضطهدة أو المقهورة , لأنها فقيرة جدا و متأخرة تقنيا لتطور مجتمع الوفرة , الأمر الذي تتطلبه ( تشترطه ) الاشتراكية ( ثم الشيوعية ) . لذلك يقبل الشيوعيون المجالسيون الرأسمالية ( أو رأسمالية الدولة ) على أنها أفضل ما يمكن للشعوب المضطهدة أن تحققه في هذه الفترة . إنهم لا يرون البلدان النيوكولونيالية ( الخاضعة للاستعمار الجديد ) كجزء من المنظومة الرأسمالية العالمية بحيث أن الثورات العمالية فيها هي جزء ضروري من الثورة الاشتراكية العالمية .
بسبب قبولهم هذا بالميكانيكية الماركسية , فإن الماركسيين التحرريين ضعيفون لسوء الحظ في نفس الجوانب حيث اللاسلطويون ضعيفون أيضا أو ربما أكثر حتى . كان هناك تيار لاسلطوي ( أناركي ) يدعم بناء منظمات لاسلطوية ( أناركية ) ثورية يمكن أن تعمل داخل المنظمات الجماهيرية مثل النقابات ( لكن ليس فقط فيها ) ( مالاتيستا , أو حركة ماخنو البرنامجية ) . لكن اللينينية كانت قد سببت رضا شديدا عند الماركسيين التحرريين بحيث أنهم قد رفضوا تقريبا كل تنظيم ثوري – ليصبح من المستحيل فهم لماذا ينظمون أنفسهم , إذا فعلوا ذلك . ( لكن كاستورياديس كان يقف إلى جانب التنظيم و قد انقسمت مجموعة اشتراكية أو بربرية حول هذه القضية ) .
مؤمنين بأن العمال سيجعلون كل شيء ينتهي على نحو جيد في نهاية الأمر , كان الماركسيون التحرريون يميلون لأن يكونوا سلبيين في علاقتهم بقضية الإستراتيجية أو التنظيم . المثال الأكثر غرابة هو تصريح ماركسي التسيير الذاتي الإيطالي أنطونيو نيغري ( و مايكل هاردت , 2000 ) : "ضد الحكمة الشائعة أن البروليتاريا الأمريكية ضعيفة بسبب تمثيلها الضعيف الحزبي و النقابي مقارنة بأوروبا ... ربما يجب أن نراها قوية لنفس الأسباب تحديدا . لا تكمن قوة الطبقة العاملة في المؤسسات التمثيلية بل في مقاومة و استقلال العمال أنفسهم" ( ص 269 ) . بهذه الحجة يفترض أن التراجع المخيف في عدد النقابات في الولايات المتحدة و انتصارات مناصري ( فكرة و تنظيم ) النقابات , قد جعلت العمال الأمريكان أكثر قوة . عندما تتعرض النقابات للتدمير أن يكون العمال في أقوى وضع على الإطلاق ! لماذا يعمل الرأسماليون إذن على هزيمة النقابات ؟
كان الشيوعيون المجالسيون على حق ضد لينين في معارضة دولة الحزب و في تفضيلهم منظومة المجالس . لكن هذا لا يثبت ( يبرهن ) أنهم كانوا محقين في أمور أخرى , خاصة في دفاع لينين عن المرونة التكتيكية و الإستراتيجية . كانوا على حق ضد لينين عندما عارضوا الانتخابية لكنهم كانوا مخطئين عندما عارضوا المشاركة في النقابات . أنا لا أجادل في هذا الآن لكن فقط أشير إلى أنه لا توجد صلة ضرورية بين كل قضية . يجب أن ينظر فيها كلا على حدة .
لذلك فإن الماركسية التي تدعو إلى التسيير الذاتي ضعيفة في نفس الجوانب التي فيها اللاسلطوية ( الأناركية ) ضعيفة . إنها لا ترى الحاجة للتنظيم الذاتي للثوريين . إنها جامدة إستراتيجيا , خاصة في معارضتها العمل داخل النقابات , المنظمات الجماهيرية الأساسية للطبقة العاملة . و لم تكن قادرة على تجاوز نقاط الضعف الرئيسية في الماركسية , خاصة ميكانيكية النظرة الماركسية للتاريخ .
هناك الكثير في الماركسية التي يمكن البحث فيها من قبل اللاسلطويين ( الأناركيين ) . تظهر الماركسية خاصة الرابطة بين تطور الرأسمالية و تطور الطبقة العاملة القادرة على النشاط الذاتي , و التحرك نحو مجتمع اشتراكي ثوري . لكن الماركسية كماركسية ليست فقط مجموعة أفكار , يمكن أن تؤخذ أو تترك أجزاءها . لقد أريد لها أن تكون ككل , كرؤية عالمية شاملة لطبقة جديدة . إنها تتضمن اقتصاد ( تحليل القيمة ) , إستراتيجية سياسية ( انتخابية ) , و طريقة للتحليل الاجتماعي ( المادية التاريخية ) و فلسفة الطبيعة ( المادية الديالكتيكية ) – كل شيء إلا الأخلاق أو رؤية أخلاقية . إنها إما أن تقف أو أن تتداعى أجزاء . كما تبين ( الآن ) أن الماركسية لم تكن برنامج الطبقة العاملة , كما أريد لها , بل برنامج الطبقة الحاكمة في رأسمالية الدولة .
بطريقة ما فإنها قابلة للمقارنة مع الليبرالية . فقد جاء الكثير من اللاسلطوية من الليبرالية الكلاسيكية . يتفق اللاسلطويون ( الأناركيون ) مع الأفكار الليبرالية لحرية التعبير , حرية التجمع , التعددية , الفدرالية , الديمقراطية , و حق تقرير المصير . لكن الليبرالية اليوم هي الوجه اليساري للرأسمالية الإمبريالية و نحن لسنا ليبراليين بالتأكيد ! أيضا بينما يمكن اكتساب الكثير من الماركسية , فإن الاشتراكيين الذين يعتقدون بالتحرر هم أحسن حالا إذا كانوا لاسلطويين ( أناركيين ) .


سيرة حياة بعض الشخصيات المذكورة في المقال

واين برايس : لاسلطوي أمريكي , انتقل من التروتسكية إلى اللاسلطوية . عضو المنظمة اللاسلطوية الأناركية الشيوعية في أمريكا الشمالية NEFAC

بول غودمان ( 1911 – 1972 ) سوسيولوجي و شاعر و كاتب أمريكي كان ناشطا في اليسار المناهض للحرب في الستينيات و لعبت أفكاره دورا في حركة الطلاب في الستينيات .

س ل ر جيمس ( 1901 – 1989 ) صحافي و منظر اشتراكي من ترينداد , لعب دورا هاما في الفكر الاشتراكي التحرري في بريطانيا و أمريكا . أسس مع دونايفسكايا تيار جونسون فوريست الذي انشق عن التروتسكية ( كان لقبه جونسون أما فوريست فكانت دونايفسكايا نفسها ) .

رايا دونايفيسكايا ( 1910 – 1987 ) كانت سكرتيرة تروتسكي قبل أن تنفصل عنه , و تعتبر من المفكرين الماركسيين الإنسانيين .

أنطونيو نيغري ( ولد 1933 ) فيلسوف و مفكر ماركسي إيطالي , يعتبر من أهم المفكرين الماركسيين الداعين للتسيير الذاتي , لوحق في السبعينيات بتهمة عضوية الألوية الحمراء و عاش في المنفى في فرنسا , يعيش و يدرس حاليا في إيطاليا .

هاري كليفر : أستاذ مساعد في الاقتصاد في جامعة تكساس حيث يدرس الماركسية و الاقتصاد الماركسي . يعتبر من الماركسيين الداعين إلى التسيير الذاتي , ينشط حاليا مع حركة الزاباتيستا التحررية في المكسيك .

جورج وودووك ( 1921 – 1995 ) كاتب و مؤرخ كندي لاسلطوي ( أناركي ) .

بيتر كروبوتكين ( 1842 – 1921 ) أمير بالوراثة , عالم حيوان و جغرافي , يعتبر من أهم منظري اللاسلطوية ( الأناركية ) الشيوعية .

إيريكو مالاتيستا ( 1853 – 1932 ) لا سلطوي ( أناركي ) شيوعي إيطالي , شارك في العديد من الانتفاضات و في إصدار العديد من الصحف اللاسلطوية ( الأناركية ) , و سجن و نفي مرارا , قضى السنوات الأخيرة من حياته في الإقامة الجبرية تحت حكم الديكتاتور الفاشي موسوليني .

نستور ماخنو ( 1888 – 1934 ) لا سلطوي ( أناركي ) شيوعي أوكراني , نظم جيش الفلاحين الثوري اللاسلطوي ( الأناركي ) الذي واجه القوميين الأوكرانيين و الغزاة الألمان و النمساويين و أحيانا الجيش الأحمر نفسه مدافعا عن الكومونات الحرة في الريف الأوكراني , اضطر للجوء إلى المنفى عام 1921 بعد أن أعدم الجيش الأحمر و التشيكا الكثير من قادة جيشه , ساهم في كتابة مشروع برنامج الاتحاد العام للشيوعيين التحرريين عام 1926 و الذي يشكل أساس التيار اللاسلطوي ( الأناركي ) البرنامجي . توفي في باريس بمرض السل عام 1934 .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.