الأحد، 2 سبتمبر 2012

اللاسلطوية : ماهي، وماليس منها ~ شاز بوفيه ترجمة : حسين الحاج


اللاسلطوية: ما هي، وما ليس منها
شاز بوفيه
ترجمة : حسين الحاج

النص الأصلي


هناك مفاهيم رائجة مغلوطة حول اللاسلطوية، بسببها يرفض العديد من الناس اللاسلطوية واللاسلطويين جملةً وتفصيلاً.

تكثر هذه المفاهيم في وسائل الإعلام حيث يستخدم مصطلح "الأناركية" Anarchy عامةً كمرادف للـفوضى، وحيثما يشار إلى اللاسلطويين كإرهابيين بغض النظر عن اعتقاداتهم السياسية وانتماءاتهم. وكذلك عندما تذكر اللاسلطوية، فإنها دائمًا ما تقدم على أنها مجرد نموذج أحمق لتمرد الشباب،  بالطبع، هذه المفاهيم الخاطئة أيضًا تنتشر على نطاق واسع بين عموم الجماهير، مما يسمح لوسائل الإعلام عامة أن تمرر ما يحلو من أفكارها.

الأسوأ من ذلك، أن بعض من يطلقون على أنفسهم "لاسلطويين" لا يعرفون معنى هذا المصطلح، وهؤلاء يندرجون تحت فئتين بشكلٍ عام. الفئة الأولى، والتي أشار إليها اللاسلطوي الإيطالي الكبير لويجي فابري منذ ما يقرب من قرن في مؤلفه "التأثيرات البرجوازية على اللاسلطوية"، تتألف من أولئك الذين ينجذبون إلى الأكاذيب الإعلامية. هؤلاء ببساطة يبحثون عن تسمية لامعة لسلوكهم الأناني والمعادي للمجتمع، الخبر السار في هذا الأمر أن أغلبهم ينضج في النهاية ويتخلى عما يعتبرونه "لاسلطوية"، لكن الخبر السئ أنه حيثما يظهرون فإنهم يميلون إلى إعطاء اللاسلطوية سمعة سيئة للغاية، ومثلما وصفهم لويجي فابري
"هؤلاء الأشخاص لا يتمردون بسبب اللامعقولية، بل على النقيض، لأنهم مرتبطون بها. إنهم منجذبون إلى المهمات والأفكار تحديدًا لكونهم غير عقلانيين. وهكذا تصبح اللاسلطوية معروفة بأنها صفة غير منطقية ومضحكة بفعل ما ينسبه الجهل والافتراءات البرجوازية إلى التيارات اللاسلطوية.
[1]"

الفئة الأخرى تتكون من أولئك الذين يساوون بين اللاسلطوية وبعض الأيديولوجيات الأليفة التي لا تتعلق باللاسلطوية من الأساس. في العصر الحديث، كانت البدائية والأنانية اللا أخلاقية أبرز هذه المعتقدات المساء تعريفها. مرة أخرى، فإن خلط مثل هذه المعتقدات باللاسلطوية ينزع إلى إعطاءها سمعة سيئة بسبب لا معقولية الاعتقاد بالبدائية من ناحية، والطبيعة المعادية للمجتمع الظاهرة في الأنانية اللا أخلاقية من ناحية أخرى.
كي نحدد ذلك بطريقة أخرى، الخلط بين اللاسلطوية والفوضى والتمرد الطائش والأفكار اللاعقلانية مثل البدائية والسلوكيات المعادية للمجتمع مثل الأنانية اللا أخلاقية، له ثلاثة آثار أساسية مرفوضة:
1.     تتيح للناس رفض اللاسلطوية واللاسلطويين بسهولة.
2.   تجعل من عملية شرح اللاسلطوية لهم أكثر صعوبة، لأنهم يعتقدون أنهم يعرفون ماهيتها وبالتالي يرفضونها.
3.   تجذب عددًا ممن أطلق عليهم فابري "أشخاص تافهون وعابثون"، وأحيانًا أشخاص سيكوباتيين بالكامل، الذين تفضي أفعالهم وكلماتهم إلى تشويه سمعة اللاسلطوية أكثر.

من أجل ذلك، إذا ذهبنا إلى أي مكان، فعلينا أن نوضح ما هي اللاسلطوية وما ليس منها. أولاً، هيّا نعالج المفاهيم المغلوطة.

ما ليس من اللاسلطوية:

اللاسلطوية ليست إرهابًا: الأغلبية الساحقة من اللاسلطويين دائمًا ما يرفضون الإرهاب، لأنهم أذكياء بما يكفي حتى يدركوا أن هذا يعني نهايتهم، وأن الإرهاب بطبيعته عمل زعامي، وأنه حتى عندما تكون ناجحًا، فإنه في الغالب ما يؤدي إلى نتائج سيئة. ولقد صاغ المؤلفون المجهولون لكتاب "أنتَ لا تستطيع نسف علاقة إجتماعية: قضية اللاسلطوية مقابل الإرهاب" المسألة كالتالي:

"إنك لا تستطيع أن تنسف علاقة إجتماعية. الانهيار الكامل لهذا المجتمع لن يقدم أية ضمانات عما سوف يحل محله. إلا إذا كانت غالبية الناس لديهم أفكارًا وتنظيمًا كافيًا لخلق مجتمع بديل، سنرى العالم القديم يعيد تثبيت نفسه، لأن هذا ما اعتاد الناس عليه، وما آمنوا به، وما بقى دون منازع في شخصياتهم.
يجب معارضة دعاة الإرهاب وحرب العصابات لأن أعمالهم قيادية سلطوية، لأن أفكارهم، بقدر ما هي مهمة، خاطئة أو غير مرتبطة بنتائج أفعالهم -خصوصًا عندما يطلقون على أنفسهم تحرريين ولاسلطويين-، ولأنه لا يمكن تبرير مذابحهم، وأخيرًا لأن أفعالهم أما تنتج قمع دون مقابل أو نظامًا سلطويًا.
[2]"

افتراءات الحكومات والشركات الممتدة لعقود لا يمكن أن تغير هذه الحقيقة، أن الأغلبية الساحقة من اللاسلطويين يرفضون الإرهاب لأسباب عملية وأخلاقية. في أواخر التسعينيات، أطلقت مجلة "تايم" على تيد كاتشينسكي لقب "ملك اللاسلطويين"، لكن هذا لا يجعله كذلك. ألقاب "تايم" ليست سوى محاولة تقليدية، وربما مضللة عمدًا، لتلطيخ اللاسلطويين بفرشاة الإرهاب.

لكن هذا لا يعني أن المقاومة المسلحة غير صالحة. من الواضح أن هناك مواقف تكررت كثيرًا في قرون عديدة، يملك فيها الفرد خيارات قليلة، كما هو الحال عندما يواجه ديكاتورية تقمع الحريات المدنية وتمنع الفرد من العمل علانيةً. وحتى في مثل ذلك، ينبغي أن تقوم المقاومة المسلحة على مضض وكملجأ أخير، لأن العنف غير مرغوب فيه بالفطرة بسبب المعاناة الناتجة من دوافعه، ولأنها توفر للأنظمة القمعية مبررات لقمع أكبر، ولأنها توفر لهم فرصة لإرتكاب أعمال وحشية ضد المدنيين ثم تلقي باللوم على معارضيها الإرهابيين، ولأن فرص نجاحها ضئيلة للغاية كما أوضح لنا التاريخ.

وعلى الرغم من أن المقاومة المسلحة أحيانًا تطلب في الأوضاع القمعية، فإن الرضوخ لرومانسية البندقية والمشاركة في حرب عصابات في المناطق الحضرية في المجتمعات المنفتحة نسبيًا التي تؤمّن الحريات المدنية إلى حدٍ كبير ولا يوجد فيها دعم شعبي واسع لبدء عملية عنيفة مسألة مختلفة تمامًا. العنف في هذه المواقف يساعد قليلاً لكنه يدفع الجماهير إلى أحضان الحكومة الأمنية، والحوار السياسي الضيق الذي يميل إلى استقطاب الناس بين مؤيد ومعارض لحرب العصابات يحوّل السياسة إلى لعبة رياضية يشاهدها الأغلبية الواسعة من الناس[3]، ويسوّغ للحكومة مبررات لقمع الحريات المدنية، وتحث على ظهور أنظمة قمعية أفضل تقدر على التعامل مع مشكلة "الإرهابي" بصورة أكثر تسامحًا من سابقيهم. ومن الجدير أيضًا بالذكر أن احتمالات نجاح مثل هذا العمليات القيادية العنيفة ضئيلة للغاية، إنها طريقة سقيمة ومتعجرفة تؤدي إلى الدمار[4].

اللاسلطوية ليست مذهبًا للعودة للبدائية: في العقود الأخيرة، ساوت جماعات صوفية شبه دينية بين اللاسلطوية ومذهب العودة للبدائية الذي يؤيدون أفكاره مثل رفض العلم والعقلانية والتكنولوجيا.[5] لكن في الواقع لا يوجد أي ارتباط بين الإثنين، فكما سنرى فإننا في الحقيقة نعتبر اللاسلطوية مجموعة من المبادئ الفلسفية الأخلاقية والقواعد المنظمة التي أعدت من أجل تعظيم الحرية الإنسانية. في الوقت الحالي، يكفي أن نقول أن دعوة التخلص من التكنولوجيا التي تروجها الجماعات البدائية تتضمن حتمًا وفاة ملايين البشر في هذا العالم ممن يعتمدون إعتمادًا كليًا على التقنيات المتشابكة في كل شئ، من صناعة وتوصيل الطعام إلى الإتصال والعلاج الطبي. إن نتيجة التخلص من التكنولوجيا المرغوبة بشدة يمكن أن تتحقق فقط بإستخدام وسائل الإكراه والعنف على نطاق واسع، المضادة لمبادئ اللاسلطوية بشكل مطلق، كما أنه من غير المعقول أن يتخلى أغلب البشر طوعًا عن مثل هذه الأشياء، مثل شبكات المياه والصرف الصحي، والطب الحديث، والأضواء الكهربائية، والمنازل الدافئة في الشتاء[6].

اللاسلطوية ليست فوضوية، ولا ترفض التنظيم: وهذه أكذوبة شهيرة يكررها الإعلام وخصوم اللاسلطوية السياسيين، خصوصًا الماركسيين، تكرارًا مملاً. لكن نظرة وجيزة إلى أعمال رواد المنظرين في اللاسلطوية تؤكد خطأ هذا الإعتقاد. لن يجد أحد رفضًا للتنظيم في كل كتابات برودون، وباكونين، كروبوتكين، روكر، وارد، بوكتشين.. إلخ، وإنما اهتمامًا خاصًا حولها، حول كيف ينبغي تنظيم المجتمع وفقًا للمبادئ اللاسلطوية في الحرية الفردية والعدالة الإجتماعية. لقرن ونصف الآن، يجادل اللاسلطويون في أن ذاك التنظيم الهرمي القهري، كما هو مجسد في الشركات والحكومات، لا يعادل المنظمة التي يعتبرونها ضرورية، وأن هذا التنظيم القمعي يجب أن يستبدل بتنظيم قاعدي لا مركزي قائم على التعاون التطوعي والمساعدة المتبادلة، ذلك بالكاد يعتبر رفضًا للتنظيم.

اللاسلطوية ليست أنانية لا أخلاقية: كما يحدث في أي حركة إجتماعية طليعية، تجذب اللاسلطوية غريبي الأطوار، الطفيليين، والسيكوباتيين كليًا، والأشخاص الذين يبحثون عن تعريف لامع يغطون به أنانيتهم المرضية وتجاهلهم لحقوق وكرامة الآخرين ورغبتهم البائسة في أن يصبحوا مركزًا للكون. هؤلاء الأفراد يميلون لإعطاء اللاسلطوية سمعة سيئة، لأنه رغم ما لديهم من قواسم مشتركة مع اللاسلطويين الحقيقيين الذين يهتمون بالتصرف الأخلاقي والعدالة الإجتماعية وحقوقهم والآخرين، لكنهم استعراضيون في أغلب الأحيان، وأعمالهم المشينة تقع أحيانًا تحت أعين الجمهور. ومما يزيد الأمر سوءًا، فإن هؤلاء الإستعراضيين ينشرون آراءهم المغرورة ثم تعرف خطأً عن عمد أنها آراء "لاسلطوية". ومثال على ذلك، فإن ناشر مجلة "اللاسلطوي" الأمريكية الزائفة نشر مؤخرًا كتابًا ألفه شخص متبجح يهجم فيه اللاسلطويين الحقيقيين، عالمًا كل العلم أن ذلك المؤلف اللاسلطوي مخبر سئ السمعة لشرطة مكافحة المخدرات له عدد من المواقف أبلغ فيها عن خصومه في المؤسسات الحكومية. تصرفات هذا المخبر الذي يحاول إخفاءها متسقة تمامًا مع أنانيته اللا-أخلاقية، لكنها ليست لها أدنى علاقة باللاسلطوية الحقيقية. هؤلاء الأنانيون عديمي الأخلاق يسيئون استخدام التسمية، إنهم ليسوا لاسلطويين مثلما لم تكن جمهورية ألمانيا الديموقراطية السابقة "ألمانيا الشرقية" جمهورية أو ديموقراطية.
السخف الشديد في الخلط بين اللاسلطوية والأنانية اللا-أخلاقية، تحديدًا فكرة "سأفعل ما يعجبني واللعنة على الآخرين"- سيصبح واضحًا في فترة قصيرة عندما ندرس ماهية اللاسلطوية الحقيقية.

اللاسلطوية ليست هي الليبرتارية: حتى وقت قريب نسبيًا، كان مصطلح "تحرري" يستخدم عالميًا كمرادف لللاسلطوية. في الواقع أنه كان يستخدم حصريًا لهذا المعنى حتى سبعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة عندما صادرها ما يسمى خطأً بالحزب الليبرتاري.
هذا الحزب ليس له أي علاقة بمفاهيم اللاسلطوية حول الحرية، خصوصًا مفهومي الحرية العادلة والحرية الإيجابية التي تدخل إلى الموارد الضرورية إلى حرية الممارسة والفعل. (وتناقش الحرية العادلة والحرية الإيجابية في الجزء التالي من هذا الكتيب). لكن بدلاً من ذلك، يهتم الحزب الليبرتاري بالحريات السلبية فقط، متظاهرًا أن الحرية توجد فقد بالمعنى السلبي، بينما ترتع في نفس الوقت في إنكارها للحرية الإيجابية المساوية للأغلبية العظمى حول العالم.
هؤلاء الليبرتاريون لا يمجدون الرأسمالية فقط، الآلة التي تنكر كلا من الحرية العادلة والإيجابية لأغلب الناس، بل يرغبون في الحفاظ على أجهزة الدولة القمعية بينما يقضون على وظائف الرعاية الإجتماعية ومن ثم اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء وإعلاء حرية الأغنياء بتهميش الفقراء عن طريق وضع أحذية الدولة فوق رقابهم بقوة. وهكذا تم اختطاف مصطلح "التحررية" من قبل الأنانيين الذين هم في الواقع أعداء الحرية بما تعنيه الكلمة، والذين يشتركون مع اللاسلطوية في جوانب قليلة جدًا.

كل ذلك ليس من اللاسلطوية.

ماهي اللاسلطوية:

بالمعنى الضيق، اللاسلطوية ببساطة هي رفض الدولة ورفض الحكومة القمعية، تحت هذا التعريف الضيق بشدة، يمكن أن تظهر سخافات مثل "اللاسلطوية الرأسمالية" أو اللاسلطوية الدينية[7].

ولكن أغلب اللاسلطويين يستخدمون مصطلح اللاسلطوية بصورة أوسع كثيرًا، فيعرفونها كرفض لكل أشكال القهر والسيطرة. وهكذا، لا يرفض أغلب اللاسلطويين الحكومة القمعية فقط، بل أيضًا يرفضون الأديان والرأسمالية، والذين يعتبرونهم أشكال أخرى من توأم القمع والهيمنة الشريرين. إنهم يرفضون الدين لأنهم يرون فيها النموذج المثالي للهيمنة والذي يقضي فيه إله كلّي القدرة على من أطاعه ومن لم يطعه حسب جماعته. وهم يرفضون الرأسمالية كذلك لأنها مصممة لإنتاج أغنياء وفقراء ولأنها مصممة لإنتاج نظام من الهيمنة يعطي فيه بعض الناس الأوامر ولا يملك الآخرين سوى طاعتهم. ولأسباب مماثلة يرفض أغلب اللاسلطويين على مستوى شخصي التمييز على أساس الجنس أو اللون أو العرق أو الميل الجنسي الذي يتسبب في ظهور تفاوت مصطنع وبالتالي ظهور الهيمنة.

ولعرض ذلك بطريقة أخرى، يؤمن اللاسلطويون بكل الحريات السلبية منها والإيجابية. في هذا البلد، تقدم الحرية عادةً بالمعنى السلبي فقط في أن تصبح حرًا من التقييد. ومن هنا يساوي أغلب الناس بين الحرية بأشياء من قبيل حرية التعبير وحرية الإجتماع وحرية العقيدة، ولكن هناك أيضًا جانبًا إيجابيًا من الحرية الذي يصر عليه اللاسلطويون وحدهم تقريبًا[8].

هذا الجانب الإيجابي من الحرية هو ما أطلقت عليه إيما جولدمان "حرية الفعل والممارسة"، وهذه الحرية  تعتمد بشدة على النفاذ إلى موارد العالم كي نتمتع بها أو نستخدمها. وبسبب هذا يصبح الأغنياء هم الأكثر حرية وفقًا لهذا المعنى من بقيتنا. كمثال على ذلك في مجال حرية التعبير، يمكن لدونالد ترامب أن يشتري عددًا من الجرائد والمحطات تلفزيونية كي تروج لآرائه وتؤثر على الرأي العام، لكن كم من العمال يستطيعون القيام بنفس الشئ؟ كم عامل يستطيع تحمل تكاليف شراء جريدة يومية واحدة أو محطة تلفزيونية واحدة؟ الإجابة واضحة. العمال لا يستطيعون القيام بذلك، ولكن بدلاً من ذلك، لقد خفضنا إنتاجنا إلى مجلات يقرأها بضع مئات الأشخاص أو نشر صفحات على الإنترنت في أوقات فراغنا القليلة نسبيًا.

تذخر الحياة اليومية بأمثلة على الحرية العظمى للأغنياء، ونضعها في عبارات عامة، لأنهم ليسوا بحاجة إلى العمل. فالغني ليس يملك الكثير من الأموال فقط، والتي هي مفتاح الحصول على الموارد، ولكن لديه الوقت للسعي وراء اهتماماته ولذاته ورغباته أكثر من بقيتنا. نستشهد بمثال ملموس مثل أن الأغنياء يستطيعون إرسال أبناءهم إلى أفضل الكليات التي توظف أفضل المعلمين، والتي لا يستطيع بقيتنا أن يتحمل تكاليفها، وحتى إذا استطعنا تحمل تكاليفها، فسنعمل كعمال مأجورين في الكليات الأهلية والحكومية "مساعد أستاذ" وطلاب دراسات عليا يعملون فوق طاقاتهم ولا يتقاضون مصروفات كافية. أبناء الأغنياء أحرار تمامًا لمتابعة دراساتهم في الكلية، بينما يجب على باقي الطلاب العمل بدوام جزئي كي يعولوا أنفسهم مما يحرمهم من ساعات يستطيعون تخصيصها للدراسة. إذا فكرت فيها، ستجد بسهولة أمثلة إضافية على حرية الأغنياء العظمى في نطاق الرعاية الصحية والسكن والتعذية والسفر... إلخ. في كل نطاقات الحياة تقريبًا.

الحرية العظمى للأغنياء تأتي على حساب الآخرين من خلال خفض حريتهم في الفعل. ولا يوجد وسيلة للتغلب على ذلك نظرًا إلى أن حرية الفعل محددة إلى حد كبير بالحصول على موارد محدودة. أناتول فرانس فسر الإختلافات بين القيود المفروضة على الأغنياء والفقراء جيدًا عندما كتب قائلاً، "إن القانون بمساواته العظيمة يمنع الغني كما يمنع الفقير من النوم تحت الجسور والتسول في الشوارع وسرقة الخبز!".

ولأن الهدف الرئيسي للاسلطوية هي إتاحة أكبر قدر ممكن من الحرية للجميع، يصر اللاسلطويون على الحرية العادلة بجانبيها السلبي والإيجابي، والتي تعني بمعناها السلبي أن الأشخاص أحرار في أن يفعلوا ما يريدون ما لم يضروا أو يتقحموا الآخرين مباشرة، وبمعناها الإيجابي أن كل الأشخاص أحرار متساوين في الفعل والممارسة وأنهم يملكون فرص متساوية في الحصول على موارد العالم.

يعترف اللاسلطويون أن الحرية المطلقة مستحيلة، لأن الأنانية اللا-أخلاقية التي تتجاهل حقوق الآخرين ستتحول سريعًا إلى حرب الجميع ضد الجميع. ما نزعمه أن كل إنسان يملك حريته العادلة من القيد (محددة بإحترام حقوق الآخرين فقط) وأن كل إنسان يملك تقريبًا فرصًا متساوية في الحصول على الموارد، وبالتالي يضمن مساواة أو شبه مساواة في حرية الفعل والممارسة. هذه هي اللاسلطوية بمعناها النظري.

كانت هناك محاولات جادة في أسبانيا وكوبا وقلة من بلاد أخرى لجعل هذه النظرية واقعًا من خلال حركة تعرف باسم اللاسلطوية النقابية (السنديكالية)، والهدف الرئيسي للاسلطوية النقابية هو استبدال الحكومة القمعية بالتعاون الطوعي بين نقابات يتحكم فيها عمالها تنسق إدارة الإقتصاد بأكمله. وهذا ليس من شأنه ليس فك القيد الحكومي على الحرية السلبية فقط، وإنما ستصبح قفزة هائلة نحو الوصول إلى الحرية الإيجابية، كانت الثورة الأسبانية (1936 - 1939) هي أقرب ما تحقق من هذه الرؤية، عندما أصبحت مناطق واسعة من أسبانيا، خصوصًا مناطق الصناعات الثقيلة، تحت سيطرة "اتحاد العمل الوطني" CNT النقابي اللاسلطوي. ويصف جورج أورويل هذا الإنجاز في "الحنين إلى كاتالونيا" قائلاً :

"كان للاسلطويين السيطرة الفعلية على كاتالونيا وكانت الثورة في أوجها.. وكان منظر برشلونة مذهلًا ومثير للإعجاب، كانت تلك المرة الأولى التي أصبح فيها بمدينة تسيطر عليها الطبقة العاملة، وكان العمال يستولون على كل البنايات من جميع الأحجام ويكسوها بالأعلام الحمراء أو الأعلام اللاسلطوية السوداء / الحمراء..  جميع المحلات والمقاهى وضعت نقوشًا أنها أصبحت أملاكًا جماعية، حتى ماسحو الأحذية أصبحوا جماعيين ودهنوا صناديقهم بالأسود والأحمر، النادلون وصبية الدكاكين ينظرون إلى وجهك ويتعاملون معك على قدم المساواة، حتى أساليب الحديث الرسمية والمستكينة قد اختفت... كانت المصلقات الثورية في كل مكان، تتوهج على الجدران بحمرة وزرقة واضحة جعلت من الإعلانات القليلة المتبقية مثل لطخات من الطين... كان ذلك كله غريب ومثير للشعور. هناك أشياء لم أستطع فهمها. وفي بعض الأحيان لم تعجبني. لكنني أعترف على فور أنها حالة تستحق النضال من أجلها."

هذه هي اللاسلطوية، وكان أورويل محقًا، هي تستحق النضال من أجلها.[9]


[1]Bourgeois Influences on Anarchism, by Luigi Fabbri. Tucson, AZ: See Sharp Press, 2001, p. 16.
[2] You Can't Blow Up a Social Relationship. Tucson, AZ: See Sharp Press, 1998, p. 20.
[3]قد يكون ذلك الآن بسبب اللامبالاة، ولكن في المواقف العنيفة / القمعية تستبعد البدائل الأخرى للكل من لم يشارك مباشرة في المقاومة المسلحة.
[4] للمزيد من المناقشة حول هذه المسألة، انظر "you Can't Blow Up a Social Relationship: The Anarchist Case Against Terrorism" ,"Bourgeois Influences on Anarchism".
[5] كان تيد كاتشينسكي يبدو في بعض جوانبه رومانسيًا نموذجيًا، اختلف عن معظمهم في أنه تصرف طبقًا لمعتقداته، وإن كان بأسلوب عنيف وجبان، وأنه عاش في الواقع حياة بدائية نسبيًا في منطقة نائية في مونتانا، خلافًا لمعظم إخوانه في الدين الذين يعيشون حياة مريحة في المناطق الحضرية ويوظفون .التكنولوجيا التي يبشرون بكراهيتها
[6] للمزيد من المناقشة حول هذه المسألة، انظر Anarchism vs. Primitivism, by Brian Oliver Sheppard. Tucson, AZ: See Sharp Press, 2003، وأيضًا "Primitive Thought" appendix to Listen Anarchist!, by Chaz Bufe. Tucson, AZ: See Sharp Press, 1998..
[7] بالفعل، كان هناك عددًا كبيرًا من اللاسلطويين المتدينين القديرين، شخصيات مثل تولستوي ودوروثي داي وأعضاء جماعاتها العمالية الكاثوليكية مثل أمون هناسي، رغم أن هناك تناقض غير محتمل بالنسبة لمعظم اللاسلطويين في الدعوة إلى الحرية على الأرض بينما يخضعون لطاغية سماوي بغض النظر عن مدى وهمية الإعتقاد فيه.
ليست هناك نماذج ساطعة من اللاسلطويين الرأسماليين على حد علمي
.
[8] كي أكون منصفًا، يميل الماركسيين إلى التأكيد على الحرية الإيجابية، ولكن أغلبهم قساة القلب بغرابة، وغالبًا ما يكونوا عدائيين صراحة للحرية السلبية، الحرية من القيود، خصوصًا عندما يمتلكون السلاح ويستمرون في القيام بالقمع.
[9] بالتأكيد، هذا نقاش منظم حول اللاسلطوية، حيث أن غاية الكتيب تقديم تمهيد لها يقرأ في عشر دقائق، من أجل تفصيل أكثر حول هذه الموضوعات، انظر Anarchism and Anarcho-syndicalism, by Rudolf Rocker; What Is Communist Anarchism?, by Alexander Berkman، Fields, Factories and Workshops, by Peter Kropotkin; and Anarchy in Action, by Colin Ward.

الأحد، 17 يونيو 2012

بيان : ثورتنا ليست إشاعة



بيان : ثورتنا ليست إشاعة !



عن موقع نواة


مازلنا نريد إسقاط النظام
ومازال شعارنا : شغل حرّية وكرامة وطنية
لا نهضة لا دساترة، لا حداثويين لا سلفيين … سنصنع البديل الذي يستجيب لمطالب الثورة !
لمّا اندلعت شرارة الثورة التونسية في 17 ديسمبر 2010، بعدما شبع شعبنا حَرقةً وحُرقةً واحتراقا وبعد أن سلبه الذين لا يشبعون قوته وحقوقه، كانت الشعارات التي هتفت بها الحشود واضحة صريحة:
“الشعب يريد إسقاط النظام”
“شغل، حرية، كرامة وطنية”
وكان العدوّ، رغم وجوهه المتعدّدة، سهل التوصيف: “سرّاقين بلادنا، قتّالين ولادنا“.
أمّا اليوم، بعد عام ونصف من “تهريب” بن علي، فان غضبنا يتصاعد يوماً بعد يوم بعد أن نجح شركاؤه الفعليون داخليًا وخارجيًا وشركاؤه الافتراضيون، الذين كانوا يتوسّلون شراكته دون جدوى في أغلب الحالات، في الالتفاف على شعارات الثورة وتشويهها ومحاولة شطبها من رهانات الحاضر فضلا عن محوها من الذاكرة الجماعية، كما أرادوا مثلاً عند فسخهم شعارات اعتصام القصبة…
بل ووصل بهم الأمر اليوم الى حدّ تحويل ثورة الكرامة الى مسرح صراعات هويّات قاتلة يتنافس على ركحه “رجعيّو الأنوار” مع “رجعيّي الظلام” على استلاب وعي النّاس وحرفهم عن القضايا التي ثاروا من أجلها… وذلك في نفس الوقت الذي يُفرج فيه القضاء غير المستقلّ عن المتّهمين بقتل شهدائنا ويتستّر فيه على الفاسدين الذين امتصّوا عرق فقرائنا ونهبوا ثروات بلادنا…
كلّ ذلك لصالح الحرب الضارية على السلطة والامتيازات المستعرة بين أحزاب وجمعيّات ولوبّيات هؤلاء الشركاء الذين تحرّكهم نفس الثقافة الزبونية اللاوطنية؛ ولا يهمّهم إلاّ الصراع المحموم على السلطة في المنابر الإعلامية والشبكات الاجتماعية وفي المحطّات الانتخابية وفي مواجهات ميليشياتهم وفي كواليس دوائر النفوذ المالي والسياسي الدوليّين.
إنّها الحرب القذرة التي تطحن رحاها يوميًا كلّ من شارك في الانتفاضة الشعبية. فيسجن القضاء الفاسد شباب الثورة ويعتدي البوليس المجرم على جرحاها وعلى أهالي الشهداء وعلى المعطّلين عن العمل والطلبة. وتسحق السياسة الاقتصادية التابعة من لا سقف لهم إلاّ سقف الفقر. ويشارك الاعلام المشبوه، على اختلاف ولاءاته، في تضليل الناس وتغيبب حسّهم النقدي لتيسير رميهم حطبًا لنار التعصبّ أو أوراقًا في صناديق الاقتراع.
أما قطبا هذه الرحى فهما كالآتي:
الترويكا: أو “كيف نبقى بالسلطة لأطول مدّة ممكنة”
أ – النهضة: رأس حربة الترويكا أو”الأغلبية الشرعية الشعبية المؤقّتة”
- تعيد إنتاج منظومة الحزب-الدولة دون أدنى حياء، وذلك بتنصيب الأعضاء والأقرباء والأنصار والموالين في جلّ المناصب الحكومية والإدارية. ولا تتوانى في عقد التحالفات مع التجمّعيين لضمان مساعدتهم ايّاها في الحفاظ على السلطة بحجة “مكره أخاك لا بطل” و”التجمع يتحكّم في دواليب الدولة “؛
- برنامجها الاقتصادي نيومحافظ – نيولبيرالي، يعتمد على ثقافة الصدقة ويتجاهل الصراع الطبقي (الذي تعتبره النهضة بدعة)، ويواصل خدمة أصحاب النفوذ والثروة على حساب الفئات المحرومة؛
- تستورد نماذج سياسية ودينية واقتصادية من الخليج وغيره، كما تتستّر بشكل سافر على الاعتداءات السلفية وتحمي المعتدين؛
- تتقاعس بشكل مثير للريبة عن معالجة الملفات الحسّاسة والعاجلة كتلك المتعلقة بالمحاسبة في قطاعات الأمن والعدل والمالية. بل وتتصرّف أحيانا بطريقة يُستَشفّ منها نوع من الانتقائية في رغبة المحاسبة (كأنّ المستعدين لتقديم ولائهم وخدماتهم يتمتّعون بحصانة شبه علنية عملا بقاعدة “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن”) ؛
- سياستها الخارجية تقوم على منطق “من يدفع لنا فهو منّا ومعنا”، مهما كان هذا الطرف ومهما كانت جرائمه في حقّ شعبنا أو شعبه أو في حق الشعب الفلسطيني الشقيق؛
- ورغم بداهة ما تتمتّع به النهضة من درجة عالية من فقدان الكفاءة في شتّى المسؤوليات والملفّات التي تكفّلت بها إلاّ أن ذلك لا يفسّر الفرق الشاسع بين الخطاب ماقبل-انتخابي والخطاب مابعد-انتخابي، ولا التناقض الفاقع بين الخطاب الرسمي للقيادة وممارسات القواعد المعروف عنها انضباطها.
ب – حليفا النهضة: كـ”الزير المتكّي لا يفرّح لا يبكّي”
حزبا المؤتمر والتكتل، اللذين كان من المفترض أن يعدّلا ميزان قوى الأغلبيّة بشكل يضمن “القطيعة” مع استبداديّة النظام السابق، كرّسا بالعكس هيمنة النهضة. الأمر الذي ساهم في إغراقهما في انقسامات خطيرة أضعفتهما، كما أنّ جلّ وزرائهما في الحكومة لا يختلفون عن وزراء النهضة في ضعف الكفاءة وغياب الجرأة وأحيانًا في استغلال النفوذ. كما أنّ ذريعة الانشغال بالعمل على الدستور التي يلجأ لها الحزبان غالبًا لم تعد تنطلي على أحد.
المعارضة: أو كيف نسترجع االسلطة لأطول مدّة ممكنة.
أ – التجمع الدستوري: أو “داوني بالتي كانت هي الداء”
بعد أن تم حلّه قانونيا وبطريقة جعلت ملفّاته والعديد من ممتلكاته وأرصدته وأرشيفه في مأمن، وبعد أن تولّى قيادة البلاد في الفترة الانتقالية الأولى (قبل الانتخابات)، أمسى كوادر هذا الحزب بين عشيّة وضحاها يتغنّون بالثورة ويطلقون على النظام الذين كانوا أوفى حرّاسه اسم “العهد البائد”.
وانبعث من جديد حزب القمع والفساد والاستبداد في هيئة العشرات من الأحزاب والجمعيات بشكل فاضح، مستفيدًا من شبكاته القديمة التي لا يمكن للثورة ان تنجح من دون تفكيكها. إذ بات من الواضح أن الطبقة التي حكمتنا نصف قرن، حاشيةً لبورقيبة ثمّ لبن علي، لن تقبل التخلّي بسهولة.
بل إنّها محافظة على عجرفتها (لم يسجّل التاريخ ولو اعتذارات رمزية لمسؤولي التجمع من الشعب الذي قمعوه وسلبوه وقتّلوه، بل بالعكس كانت تصريحات العديد منهم مهينة في حقّ ضحاياهم) وعلى مصالحها ومصالح لوبياتها بتواصل تغلغلها في وسائل الإعلام وبضغوطها على القضاة الفاسدين لإطلاق سراح من تمّ إيقافه من بينهم ولاسترداد وتهريب أموالهم المسروقة من المال العامّ والخاصّ؛ وبالتقرّب ومحاولة عقد الصفقات المريبة مع حكام الترويكا الجدد عامّة والنهضة خاصّة لضمان حمايتهم مقابل خدمات يحقّ لنا التساؤل عن نوعها (خاصة إذا ما تذكرنا على سبيل المثال رفض وزير الداخلية النهضوي نشر قائمة البوليس السياسي ومخبري التجمّع).
ويحاول الدساترة التنكّر في لبوس ” عذرية حداثية بورقيبية” كانوا هم المسؤولين التاريخيين عن عدم اكتمال مشروعها وبقائه مفهوما سطحيا مُسقَطًا لا يستوعب المجتمعَ ولا يحتضنه المجتمعُ؛ يواصلون مغازلة الغرب والمتغرّبين بشعارات “دولة القانون” و”حقوق المرأة” و”الدولة-الأمّة” وبرسم استراتيجية واضحة تواصل تكريس نفس النموذج السياسي الاقتصادي والاجتماعي وذلك بـ:
اختزال المشكل الاقتصادي في مجرّد مشكل رشوة وفساد
اختزال النظام الاستبدادي والديكتاتوري في تجاوزات العائلات المصاهرة لبن علي.
اختزال الفساد في الممارسات الاقتصادية والسرقة امّا المشاركة في الاستبداد فهي “اجتهاد خاطئ” لا فساد.
وهي طريقة فعّالة لصرف الأنظار والانتباه الشعبي عن مواقعهم الحساسة التي مازالوا يتولّونها في ادارات الدولة ودواليب الاقتصاد ولحفظ نفس النظام الذي مازال يحمي امتيازاتهم إلى يوم الناس هذا.
ب – الأحزاب “الديمقراطية”: “إجريولنا ضربونا”
وهي خليط من الليبراليين واليساريين البورجوازيين الذين يحصرون صراعهم في حلبة الدفاع عن الحريات الفردية وحقوق الانسان. وهو صراع من أجل قضية نبيلة وعادلة غير أنّه في الأصل جزء لا يتجزّأ من القضية الكبرى: قضية الحرية في معناها الأشمل الذي يضمن حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية. وبالتالي فإنّه لا معنى للتشدقّ بهذه الشعارات في ظلّ هيمنة طبقة ميسورة على أخرى ما تزال تتخبّط في هاجس الخبز اليومي والتهميش الثقافي والسياسي.
ومن المعروف أن هذه الأحزاب كانت لتكتفي برحيل بن علي أو حتى بقبول هذا الأخير مشاركتها إيّاه في الحكم، وهو ما جعلها تراكم الأخطاء التاريخية (من موقف 13 جانفي إلى مشاركة بعضها في حكومتيْ الغنّوشي) دون اعتذار، حافرةً بيديها الهوّة بينها وبين عامّة الشعب الذي طالما حاولت دون جدوى استمالته بشعارات العدالة الاجتماعية والديمقراطية التشاركية التي تستعملها بإفراط بلاغي دون أن يكون لها أدنى تصوّر أو مشروع مجتمعي يكرّسها ويبني لها مصداقية بين الفئات المفقّرة والمهمّشة.
ولعلّ هذه القطيعة السياسيّة المبكّرة التي جعلتها في معزل عن الشرائح الشعبية، والتي عمّقتها بانخراطها في لعبة الهُويّة المسمومة واستنزاف طاقتها للدفاع عن العلمانية كأولوية وطنية قبل ملف المحاسبة والعدالة الاجتماعية، هي ما جعلتها في حالة ضعف خطير أيقظ فيها غريزة البقاء – بدل أن يحدو بها إلى النقد الذاتي ومراجعة مواقفها وتموقعها داخل المجتمع.
الأمر الذي أدّى بها إلى ارتماء انتحاري في أحضان آبائها الروحيّين – البورقيبيون- وانخراطها معهم في حلف ضد “القوى الظلامية”، وفي دوّامة احتقار بورجوازي حقير للجسم الانتخابي والفئات الجهوية والاجتماعية التي رفضتهم و/أو لم تفهم مقاربة “الحداثة” التي ينادون بها.
وهي مقاربة لا تختلف جذريا عن المقاربة الحداثية المسقطة على المجتمع والتي أنتجتها الديكتاتورية كآلية هدفها الأول شرعنة بقائها وتسويق صورتها في الغرب؛ ممّا أضرّ أساسا بالمشروع المجتمعي التحرّري الحقيقي الذي لا يمكن أن يبنَى على غير قاعدة الحسّ النقدي والحوار والابداع المتواصل مع الموروث الثقافي والتضامن الإجتماعي والبحث والتعبير الحرّين (أي كلّ ما عطّلته الديكتاتورية التي تتحالف الأحزاب “الديمقراطية” اليوم مع أزلامها).

ج – اليسار: “فرايجيّة ونبّارة أو خانها ذراعها قالت مسحورة”
جزء منه اختار “الحلّ الأسهل” المتمثّل في التحالف الانتهازي مع “الاحزاب الديمقراطيّة” والانخراط في معركة “الحداثة” المغلوطة. فيما يحاول جزء آخر يضمّ أحزابا ونقابيين ومستقلين تجاوز ثنائية القوى المضادة للثورة ومواصلة المسار الثوري الذي كانوا في طليعته، قبل أن تتجاوزها الأحداث والحسابات الخاطئة، وطرح المسألة الاقتصادية وملف المحاسبة كأولوية عاجلة. لكنّ يبقى البعض رهينة صراعات زعاماتية و”مذهبية” سخيفة وبالية، وضحية عجزٍ عن الابداع الفكري وممارسة سياسيةٍ وتواصلية أثبتت عدم نجاعتها، في ظلّ حملات التشويه والتكفير والتضييق الأمني والمالي التي يمارسها ضدّها قطبا الثورة المضادّة (الإسلاموي والحداثوي).
عجز متراكم يجعلها نادرا ما تتجاوز مربّع ردّ الفعل إلى الفعل والمبادرة، وتجعل دورها هامشيًا في المعركة القائمة بين القوى المعادية للثورة.
إن هذا المناخ السياسي، الذي أقلّ ما يمكن أن يوصف به هو أنه مزري وبائس، يدلّ على مدى استفحال داء الدكتاتورية وثقافتها في الطبقة السياسية. وما يزيد الطين بلّة هو انّ الحرب الضروس التي تدور اليوم بين النخب الحاكمة القديمة والجديدة – قطبيْ الرحى – تغذّيها وتُسندها النخب السياسية والاقتصاديّة الغربية وتوابعها الخليجية التي لا تدّخر جهدًا لتقوية حلفائها (من الشقّين) اللذين يتنافسان على إرضائها وحماية مصالحها التجاريّة والماليّة والأمنيّة. وهو ما تثبته الأموال السياسيّة الطائلة التي ما انفكّت تنهمر على بلادنا، وتغرق “المجتمع المدني” الوليد بتمويلات مشبوهة تئد استقلاليّته وتفرغه من مضمونه الوطنيّ. ذلك بالإضافة إلى الحصانة المنيعة والتعتيم الذي تتمتّع به المؤسسة الأمنية والعسكرية والبنك المركزي مقابل حفاظهما على النظام السياسي والاقتصادي الذي لا يخدم غير مصالح القوى الأجنبية – أي بتعبير موجز: مقابل حفاظهما على حالة الاستعمار غير المباشر.
الحاصل : “بن علي هْرَبْ”، أما “إلي خلّى خليفة ما ماتِشْ” وما كلمة “النظام البائد” إلاّ ذرّ رماد على العيون.
يتصارع الفريقان المهيمنان على الحكم والمعارضة من أجل وراثة التحكّم في نفس النظام السياسي والإقتصادي والاجتماعي القائم على استغلال الفئات الشعبية والتفريط في ثروات البلاد وإغراقها في الديون وأسرها في التبعية، محافظين بشراسة على ما اكتسبه كل منهما من امتيازات، دون أي تجاوز للثنائيات التي تعيق تطوّر بلادنا منذ نصف قرن (السواحل/المناطق الداخلية، النخبة/الشعب، السياحة/الفلاحة)…
تُحرّك كلا الفريقين نفسُ العقلية الانتهازية والنزعة الاستبدادية مهما اختلف شكلها، ملتحيًا كان أو أمردا، في جلباب أو في تنّورة قصيرة، سواء كان بيده سبحة أو كأس نبيذ، سواء كانوا عبيدًا لفرنسا أو جواريَ لقطّر… وهم في كلّ الحالات جنودٌ لأمريكا.
أما الفئات الشعبية، وقود الثورة والوجبة اليومية لعصابة السرّاق، فهي لا تغدو فاعلا إلاّ في الجمل الرنانة التي تزيّن خطب السياسيين العصماء الذين نصّبوا أنفسهم ناطقين رسميّين باسمها في نفس الوقت الذي يعملون فيه على قيادتها إلى مذبحة المواشي. هذه الفئات غائبة تماما من معادلة الحرب التي أنتجتها ثورتها، لا يعبّر عنها أحد سياسيًا، فتلجأ إلى حلول من نوع حرق الذات، وقطع الطرق والاعتصام، ومواجهة رجال الأمن الفاسدين. عندها يهرع كلا الفريقين السياسيّين الى تشويه صورتها، فبينما ينادي أحدهما بصلبها وتقطيع أوصالها ينادي الثاني بإحالتها على قضاء ليس لأيّ منهما مصلحة في التعجيل بتطهيره. ذلك علاوة على تحويلهما وجهة الغضب الاحتجاجي الثوري، كلّما بات خطرًا عليهما، إلى طاقة تغذّي العداء الهُويّاتي – جهوي أو قَبَلي أو طائفي أو ديني\علماني – خاصّة في الجهات التي ترقد على ثروات طبيعية كالحوض المنجمي.

بناءًا على قراءتنا لهذا الوضع،
نحن التوانسة الممضون أسفله،
نساءًا ورجالا،
متديّنين أو غير متديّنين،
عمّالا وإطارات وطلبة وفلاحين، بطّالة أو شغّالين :
- نرفض أن نكون رهينة لأيّ من هذيْن الفريقين السياسيين المصمّميْن على خيانة الثورة عمليًا عبر الحفاظ على النظام الجائر الذي ثار عليه شعبنا؛ وبالتالي نرفض أن يكون خيارنا الديمقراطي الوطني محصورا بين عدوّيْ الثورة: النهضة وحلفائها والقايد السبسي وحلفائه؛
- عاقدون العزم على “التشويش” و”المشاكسة السياسية” عبر القلم وفي الساحات حتّى بلورة مشروع بديل نقدّمه إلى شعبنا وقواه الحيّة لنقاشه واثرائه والمضيّ سويّة في تفعيله؛.

مشروع لا مكان فيه لإستيراد قوالب سياسية او فكريّة جاهزة أو وصفات سحرية خارجية، ولا يكتفي بشعارات مطلبية جزئيّة جوفاء وفضفاضة من قبيل ” المزيد من العدالة الاجتماعية” و”التخفيف من التباينات التنموية الجهوية”
فالمطلوب برأينا بديل فكري سياسي اقتصادي فنّي اجتماعي… نمدّ أيدينا لصياغته مع كلّ من يشاركنا قراءتنا للمشهد وتحرّك فيه كلماتنا الألم والأمل؛ بديل لا يمكن ان يُبنَى بعيدا عن ساحات الواقع ولا بمنآى عن النضال على الجبهات المحورية التالية التي يفتحها شعار “شغل، حرية، كرامة وطنية”:

أوّلاً، “الشعب يريد المحاسبة“: إرساء آليات عدالة انتقالية تمثّل الضمانة الوحيدة للقطيعة مع النظام. رفض الاكتفاء بالتعويضات الماديّة، وضرورة الكشف العمومي عن كلّ قائمات وملفات البوليس السياسي والرشوة والفساد المالي واستغلال النفوذ والإجرام الفردي والمنظّم. إذ لا سلمَ بلا عدالة.
ثانيًا، “التشغيل استحقاق يا عصابة السّرّاق“: إن الصراع الطبقي موجود فعلا رغم نفي كلا الفريقين، وقد عبّر عن نفسه بوضوح منذ بداية الثورة في الجهات والأحياء المحرومة. ومادام لم يُعتَرَف به فانّ “الغضب الساطع آت” مجدّدًا لا محالة ولن تنجح الحلول الترقيعيّة او التخديريّة في اطفاء جذوته. إذ لا يقتصر الأمر على الفساد، بل يتعلّق بمنطومة اقتصادية واجتماعية يجب تغييرها برمّتها ومن دون ذلك لا مجال للحديث عن عدالة اجتماعيّة حقيقيّة، الشرط الضرورة لضمان الحرّيات العامّة والفرديّة.
ثالثًا، “الشعب التونسي شعب حرّ، لا أمريكا لا فرانسا لا قطر“: فضح الصفقات المشبوهة بين كلا الفريقين والنخب السياسية والاقتصاديّة الأجنبية؛ استرجاع أموال الشعب المنهوبة: لا ديمقراطية حقيقية بلا سيادة وطنية، ومن دون استقلاليّة القرار الوطني في كافّة المجالات‪.
نحن واعون بجسامة المهام التي نطرحها على أنفسنا وعاقدون العزم على توحيد قوانا لصياغة مضمون ملموس لهذه المهام وللنظام الحرّ والسيادي والعادل الذي نبتغيه لشعبنا كبديل عن النظام الذي طالب وطالبنا معه بإسقاطه.
مازلنا نعاني الهشاشة والضعف وسوء التنظّم، مازلنا مشبَعين بالتفاؤل والمثالية والشاعرية، لكنّنا مصرّون على ألاّ نترك القوى المعادية للثورة تنام قريرة العين، مصرّون على ألاّ نترك شعبنا ضحيّة واعية أو غير واعية لجلاّده ذي الوجهين.
وسيعلو صوت صراخنا من جديد فوق كلّ الشوشرات السلفية والحداثوية والنداءات المستنجدة بالديناصورات السياسية؛ حتّى لا ينسى أحد- وما تتآمر أغلب الطبقة السياسية من أجل أن يُنسى- ما مات من أجله شهداؤنا: حقّ شعبنا المسلوب في الشغل والحرّية والكرامة الوطنيّة.

كتب هذا البيان ووقّعه:
هالة اليوسفي‫، تريد الحياة و ستقاوم حتى يستجيب القدر.
غسّان بن خليفة‫، مواطن يرى انّ اسقاط النظام مهمّة ثورية لم تتمّ بعد.
بسام بونني ‫، مواطن مع تأجيل التنفيذ.
شكري حمد، لا صوت يعلو فوق صوت الشعب.
غسان عمامي‫، مواطن يريد إسقاط النظام ومحاسبة الأزلام واستكمال المهام لتحقيق الأحلام في الحرية و المساواة والسلام.

قائمة غير حصريّة للموقّعين :

وجدان الماجري، تريد الحقيقة.
نضال شامخ، إنسان يريد أحلام الشّهيد.
هاشم الوشّام، تونسي يريد بلدا نرتقي فيه من درجة “الرّعاع” إلى المواطنين.
فريال مباركي، لم اختر وطني ولكني اخترت حبه و جننت به حتى الموت من أجله فلست أغلى من شهدائه، أحلم أن أنجب منه حرية و كرامة و سلام فلا تقتلوا أحلامي ولن تقتلوني.
وفاء عبيدة، إنسانة تحب حق الشّهيد و الجريح و حق الحراق و الحق في الحلم.
حسني هارتلي، تونسي يريد الوعي والحرية.
أروى بركات، انسانة تريد الحرية والعدالة الاجتماعية باجتثاث النظام الفاسد.
غيث يوسفي، مواطن من سيدي بوزيد يريد : شغل حرية كرامة وطنية.
حبيب عايب، كرامة، شغل وعدالة إجتماعية.
سلمى المستيري، مواطنة تونسية تريد شغل حرية ،عدالة إجتماعية، و شعبًا واِعيًا عَقلياً، نفسياً وجسديًا.
ذكرى حواشي، مواطنة تريد الشغل والحرية والعدالة الاجتماعية.
ثريا عمامو، أريد حق المواطنة لكل التونسيين، العدالة الاجتماعية والحريات لن ترسخ إلا بإسقاط النظام السائد٠المحاسبة و إسترجاع الحقوق بداية.
قيس اليوسفي، مشروع مواطن يامن بانّ الانسان فوق كل اعتبار…يسقط النظام وينتصر الانسان.
مريم بن ترجم، مواطنة تريد عدالة مستقلة و إعلام حر.
منصف طالب، مواطن تونسي أريد المحاسبة ثم المصالحة ….لان ما يبنى على الباطل باطل.
داوود عبد المنعم الفالح، مواطن تونسي يريد العدل و العدالة.
سامي بن غربية، نصف مواطن يريد الحياة.
سليم باش حانبة، مواطن يرفض الظلم والظلام والــظـالمـيـن.
ريم تليلي، مواطنة فدّت من الكذب و التمهطيل.
حلمي سماط، انسان يرفض ان يعامل كرقم، يحب ارضه و اقسم العيش دون مذلة.
ملاحظة:لا يريد استعمال اكتيفيا ضد النفاخ.
ياسين زاير، مواطن تونسي يريد ان يحقق الاهداف التي استشهد من اجلها شباب تونس.
مالك لخوة، يريد عدالة إجتماعية.
هيكل حزقي، صعلوك من صعاليك الثورة يريد أفول الأسياد و أصنام النظام.
شان العنابي، مواطنة تونسية تريد شغل عدالة حرية و وطنا.
خنساء بن ترجم، تريد ان تحلم من جديد، بثورة مش بيعان الشهيد.
أمينة بن فضل، مواطنة تريد ان تنتمي لشعب يمشي و راسه مرفوع.
عبدالسلام حمدي، أمضي من أجل أن تعود الثروة والثورة لأصحابها الحقيقيين للقاعدة المواطنية الواسعة من أجل وطن أسعد وأرحب للجميع.
هاجر بوجمعة، مواطنة تونسية مع سبق الإصرار و الترصّد تحلم أن تكون حطّابا لتهوي على الجذوع بفأسها.
ريم عروسي، من أجل تجذير الحراك الثوري و التصدي للالتفاف على المسار الثوري.
أميمة زروق، شبه مواطنة تريد حق الانسان في انسانيته.
اثينا بلّاص، الهة الحرب و الحكمة، نصحح باسمي و اسم بَيْ دُزوس تطوال تقصار راكم باش تجيفو.
صفاء مسعود، من اجل العيش في كرامة و تحقيق كل اهداف الثورة.
اسكندر الديماسي، نكرة في هذا الوطن و هذا العالم يطمح لأن يعودة الحق في الّشغل و العيش لائق و الكرامة الانسانيّة لهذا الشعب و القصاص من كل اعدائه جددا كانوا او قداما.
ناصر نصيري، متمرد على كل أشكال التهميش والتفقير.
وائل ونيفي، كاره الديناصورات و عبدة الأصنام.
نضال العش، تائه في أروقة الثورجية وحالم بوطن موحد يتسع للجميع ويحفظ كرامة الأجيال القديمة والجديدة، حتى يصبح للإنسان معنى في وطن جرد من معنى الوطن.
حيفا، مواطنة تونسية الثورة الفعلية في الثنية.
يسري المنوبي، أناشد الإنسان بتولي حكم نفسه بنفسه.
شكري اليحياوي، محاسبة … محاسبة … لا صلح … لا مصالح.
هيثم بنزيد، الثورة مستمرة لتحقيق أهدافها.
وسيم لطيف، مواطن مع الإنعتاق الفكري و الإقتصادي.
أحلام الحناشي، مواطنة تحلم بتونس حرة.
غسان العثمني، من أجل الحد الأدنى من حقوق البشر.
ملاك الوسلاتي، مواطنة ضد الصلح و العمالة تطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية و تفعيل المحاسبة.
أميرة الكرّاي، مواطنة مع وقف التنفيذ حتى استكمال المسار الثوري.
عزيز عمامي، مواطن يريد إسقاط النظام.
خولة الزغلامي، تونسية ضد نسيان وتناسي دماء الشهداء و تضحيات الجرحى.
حمد غضباني، مواطن يريد تحقيق الشعارات التي رفعها مفجّرو المسار الثوري.
مديحة الحناشي ، مواطنة تريد ثورة عقل عارمة.
أمل بلحسن، مواطنة ضد استغلال الانسان للانسان وتحت شعار التشّغيل استحقاق يا عصابة السرّاق.
حاتم السّعيدي، مواطن لا يهادن ولا يساوم… ولن يستكين.
مالك صغيري، مواطن متشائم العقل متفائل الارادة.
رحمة الباهي، مواطنة تطالب باستكمال الثورة.
مالك الخضراوي : “من لا يحب صعود الجبال يعش ابد الدهر بين الحفر”.

على الراغبين في إمضاء هذا البيان الاتصال ب: manifesterumeur@gmail.com.

الاثنين، 4 يونيو 2012

معلومات عن منظمة العمال الصناعيين في العالم - ترجمة : مازن كم الماز


معلومات عن منظمة العمال الصناعيين في العالم
Industrial Workers of the World
ترجمة : مازن كم الماز

عن موقع الحوار المتمدن : 
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=309456
منظمة العمال الصناعيين في العالم هي اتحاد نقابي يديره أعضاؤه , اتحاد يكرس نفسه للتنظيم في العمل , في صناعاتنا و تجمعاتنا . ينظم أعضاء منظمة العمال الصناعيين في العالم أنفسهم ليحققوا ظروف عمل أفضل اليوم و ليبنوا عالما تسوده الديمقراطية الاقتصادية في الغد . إننا نريد أن تدار معاملنا لفائدة العمال و تجمعاتهم و ليس لصالح حفنة من أصحاب العمل و المدراء .
إننا منظمة العمال الصناعيين في العالم لأننا ننظم أنفسنا حسب الصناعة .
هذا يعني أننا ننظم كل العمال الذين ينتجون نفس السلع أو الذين يقدمون نفس الخدمات في نقابة واحدة , بدلا من تقسيم العمال حسب مهارتهم أو حسب مهنهم , بحيث يمكننا أن نجمع قوانا لنحقق مطالبنا معا . منذ تأسيس منظمة العمال الصناعيين في العالم عام 1905 , قدمنا مساهمات مهمة لنضالات العمال و كان لدينا تاريخ مشرف من تنظيم العمال عبر الحدود بين الجنسين و الإثنيات و الأعراق قبل زمن طويل من الوقت الذي أصبح فيه مثل هذا التنظيم مقبول شعبيا .
إننا ندعوك لتصبح عضوا في منظمتنا سواء كان لمنظمتنا ممثلين في معملك أم لا . إننا ننظم العمال و ليس الوظائف , و ندرك أن النقابات هي أمر لا يتعلق بشهادة حكومية أو موافقة أصحاب العمل بل في أن يجتمع العمال معا ليناقشوا مشاكلهم المشتركة .
هذا قد يعني أحيانا رفض العمل باستخدام آلات أو مواد كيماوية خطيرة .
أحيانا قد يعني الإضراب أو توقيع اتفاق ما . أحيانا قد يعني التحريض حول مسائل أو شكاوي معينة في المعمل أو الصناعة .
إن منظمة العمال الصناعيين في العالم هي اتحاد نقابي ديمقراطي مدار من أعضائه . هذا يعني أن الأعضاء هم الذين يقررون أية مسائل يجب مناقشتها , و أية تكتيكات يجب أن تستخدم , و نحن نصوت مباشرة على موظفي النقابة , من النقابيين في المعمل حتى النقابيين على المستوى الوطني . لم الانتظار ؟ انضم إلى منظمة العمال الصناعيين و تنظم في سبيل مستقبل أفضل .
للانضمام : http://www.iww.org/en/membership/5

مقدمة دستور منظمة العمال الصناعيين في العالم

لا يوجد أي شيء مشترك بين الطبقة العاملة و بين طبقة أصحاب الأعمال . لا يمكن أن يوجد هناك أي سلام طالما بقي الجوع و الحاجة بين ملايين العمال بينما القلة , التي تشكل طبقة أصحاب العمل , تملك كل الأشياء الجيدة في الحياة .
هناك صراع بين هاتين الطبقتين يجب أن يستمر حتى ينظم عمال العالم أنفسهم كطبقة , و يستولوا على وسائل الإنتاج , و يلغوا نظام العمل المأجور , و يعيشوا بانسجام مع الطبيعة .
إننا نجد أن تركز إدارة الصناعات في أيدي عدد أقل فأقل يجعل النقابات غير قادرة على التأقلم مع القوة المتزايدة باستمرار لطبقة أصحاب العمل . تعمل النقابات على تشكيل وضع سائد يسمح بتحريض جزء من العمال ضد جزء آخر من العمال في نفس الصناعة , بحيث تساعد في هزيمة بعضهم البعض في الحروب على رفع الأجور . أكثر من ذلك تساعد النقابات طبقة أصحاب الأعمال في خداع العمال بأن لديهم مصالح مشتركة مع سادتهم .
يمكن تغيير هذه الظروف و أن يجري الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة فقط بواسطة منظمة تتشكل بحيث أن كل أعضاء صناعة ما , أو كل الصناعات عند الضرورة , سيتوقفوا عن العمل معا عندما يكون هناك إضراب في أي من أقسامها , بذلك يكون الضرر الذي يلحق بأحدنا ضررا يصيب الجميع .
بدلا من الشعار المحافظ , "أجر عادل مقابل ساعات عمل عادلة" , علينا أن نكتب على راياتنا الشعار الثوري , "إلغاء العمل المأجور" .
إنها المهمة التاريخية للطبقة العاملة أن تتخلص من الرأسمالية . يجب تنظيم جيش الإنتاج , ليس فقط من أجل الصراعات اليومية مع الرأسماليين , بل أيضا من أجل مواصلة الإنتاج عندما ستجري الإطاحة بالرأسمالية . بتنظيم أنفسنا حسب صناعاتنا فإننا نشكل بنية المجتمع الجديد داخل قشرة المجتمع القديم .

منظمة العمال الصناعيين في العالم – ما يجب أن يعرفه كل واحد
أسئلة و أجوبة عن منظمة العمال الصناعيين في العالم

ما هي منظمة العمال الصناعيين في العالم ؟
إنها اتحاد نقابي نضالي يؤمن بأن مصالح العمال يمكن تلبيتها بأفضل ما يمكن فقط إذا اتحد العمال كطبقة . إنها تهدف لرؤية كل من يحمل نفس تصنيف العمل , كل من يعمل في نفس الصناعة , في نقابة واحدة , و كل من يعملون مقابل أجر في نقابة واحدة كبيرة .
تختلف منظمة العمال الصناعيين في العالم بشكل هائل عن مواقف بقية النقابات في أننا نؤمن بأن مشاكل الطبقة العاملة لا يمكن حلها باستجداء الفتات من أصحاب العمل أو طلب الإحسان من السياسيين . بينما تحارب منظمة العمال الصناعيين في العالم من أجل ظروف عمل أفضل اليوم , إلا أننا نصر على أنه للطبقة العاملة الحق في كل ما تنتج , عوضا عن حصولها على حصة ضئيلة .
سيبقى انعدام الإحساس بالأمان و الجوع بين أولئك الذين يكدحون طالما بقيت طبقة أصحاب العمل التي تستفيد من الأجور المنخفضة و ظروف العمل السيئة للعمال . ترى منظمة العمال الصناعيين في العالم أنه لا يمكن أن يكون هناك حل لضمان حسن سير الصناعات , و لا نهاية للظلم و الحاجة , حتى يلغى نظام الربح نفسه .
في سعيها لتوحيد العمال كطبقة في اتحاد نقابي كبير تسعى منظمة العمال الصناعيين في العالم أيضا إلى بناء بنية نظام اجتماعي جديد و أفضل داخل قشرة النظام القديم العاجز عن توفير حاجات الجميع .

من يمكنه أن ينضم إلى منظمة العمال الصناعيين في العالم ؟
أي كاسب للأجر يمكنه أن يحمل عضوية منظمة العمال الصناعيين في العالم . لا يستبعد أي عامل بسبب عرقه , دينه , قوميته , جنسه أو ميوله الجنسية .
لكنها ليست منظمة للضعفاء أو للجبناء , الذين يستبدلون الأفعال بالكلام . إنها لا تريد الأشخاص الذين يرضون بالسير وراء القادة دون أي اعتراض .
إن منظمة العمال الصناعيين في العالم هي نقابة أنشأها العمال للعمال , الأفضل و الأكثر ذكاءا , و إن أعدادا متزايدة من مثل هؤلاء العمال يحملون اليوم بطاقات عضوية في منظمة العمال الصناعيين . نريد أن نساعد في بناء نقابة ستعيد بناء العالم . إن منظمة العمال الصناعيين في العالم تحتاجهم و هم يحتاجونها .

نقلا عن http://www.iww.org/en 




الخميس، 17 مايو 2012

عن الأناركية والتنظيم ~ ترجمة : تامر موافي


عن الأناركية والتنظيم
ترجمة : تامر موافي

عندما تذكر كلمة "التنظيم" يشار إلى الأناركيين بإصبع الإتهام. يعتقد كثيرون أن الأناركية معادية للتنظيم ومن ثم هي مرادفة للفوضى، ولكن هل هي كذلك؟ الإجابة السهلة هي "بالطبع لا!” ولكن هذه الإجابة لا تزيل التخبط المحيط بالسؤال، أو الإتهامات الموجهة للأناركيين.
التنظيم بالنسبة للأناركيين هو واحد من أهم القضايا التى ينبغي حسمها. قبل أى شيئ يدرك الأناركيون أنه فقط من خلال التنظيم يمكن تحطيم نظام الرؤساء؟ على سبيل المثال، حقيقة أن الحشد الضخم والمنسق للشرطة أثناء إضراب عمال المناجم فى بريطانيا قد استخدم بنجاح فى كسر الإضراب وعزل العمال، يؤكد صحة هذا الإفتراض. فلدى أصحاب الأعمال جهاز الدولة الكفؤ والذي سيتحرك لسحق أي معارضة له.
لا أمل للعمال في الإطاحة بأصحاب الأعمال وطبقتهم إلا بتنظيم وقوة مماثلة. ما يعتقد فيه الأناركيون هو أن على العمال تنظيم أنفسهم حيث لا يمكن للرأسمالية أن تستغن عنهم، أي في أماكن العمل. يمتلك العمال القوة اللازمة لخلق الحركة الثورية القادرة على الإطاحة بالرأسمالية واستبدالها بالاشتراكية فقط إذا ما نظموا أنفسهم في كل القطاعات الإنتاجية.
ولكن السؤال التالي هو: أي نوع من التنظيم ينبغي للعمال بناؤه للإطاحة بالرأسمالية؟ ثمة نوعان للتنظيم. النوع الأول المعتاد لنا جميعًا هو الشكل الرأسمالى للتنظيم وهو هيكل يتم بناؤه من أعلى إلى أسفل وفيه يمتلك الأغلبية (لنقل 95%) القليل أو لا شيئ من المشاركة فى عملية صنع القرار، وعليهم فقط تنفيذ ما يقرره ال5%. وعلى الرغم من أن هؤلاء ال5% منتخبون عادة، كما هو الحال فى البرلمان، إلا أنهم غير مسؤولين أمام ناخبيهم وهم ببساطة يمثلون مصالحهم التي هي فى حالة البرلمان مصالح أصحاب الأعمال.
النوع الثانى الممكن للتنظيم هو ذلك الذى يؤكد الأناركيون أنه لا غنى عنه للمنظمة العمالية إذا ماكان هدفها هو بناء الإشتراكية. هذا النوع من التنظيم يتم بناؤه من أسفل لأعلى وتتدخل قاعدته في كل القرارات التي تتخذها المنظمة. مثل هذه المنظمة تستبعد أي قيادة يمكن أن تتخذ القرارات نيابة عن أعضائها. وعندما يتخذ القرار تختار القاعدة مندوبين مسؤولين أمامها لتنفيذه. ومن ثم عمليًا تبقى المنظمة تحت سيطرة أعضائها و ليس تحت سيطرة أى قيادة.
بعض الاشتراكيين ينظمون أنفسهم وفق مبدأ يقول أن الطبقة العاملة تحتاج إلى قيادة وأن هذه القيادة هي الحزب المؤلف من هؤلاء الاشتراكيين، والذي بدونه - في إعتقادهم – لا يمكن تحقيق أي إنجاز ذي قيمة. الحزب بالنسبة لهم هو الرأس، طليعة الطبقة العاملة. في داخل الحزب تتشكل اللجنة المركزية من "الأفضل" بين الأعضاء، ويصبح "الأفضل" بين هؤلاء هو القائد. العملية في مجملها تؤدي إلى هرمية صارمة تتنزل فيها الأوامر من أعلى وتزاح الديموقراطية إلى خلفية المشهد. و يرى الأناركيون أن هذا النوع من التنظيم لا يقود العمال إلى شيئ إلا مزيد من الإستبداد والإستغلال كما هو الحال في الصين أو الإتحاد السوفيتي السابق.
يرفض الأناركيون الشكل الرأسمالى للتنظيم والذي تستخدمه جميع تنظيمات التيار اليساري الأخرى، على أساس أن الوسيلة التى تستخدمها لتحقيق الاشتراكية ترسم النتيجة التي ستحصل عليها. وبالتالي فإن التنظيم الهرمي سينتج دولة هرمية وشمولية وليس مجتمعًا اشتراكيًا غير هرمي. يستخدم ضد الإناركيين دائمًا الإدعاء بأن المنظمات غير الهرمية غير كفؤة ولا يمكنها العمل. في معظم الوقت يصدر هذا الإدعاء في الواقع لأن أصحابه ينظرون إلى قياداتهم على أنها ضرورية. وفي المقابل يظهرون إحترامًا شكليًا لما قاله ماركس من أن تحرر الطبقة العاملة لن ينجزه إلا الطبقة العاملة ذاتها.
لا يعارض الأناركيون التنظيم ولكنهم يرفضون بشكل مباشر المبدأ الذى تعمل بمقتضاه معظم المنظمات. مشاركة الجماهير في عملية إتخاذ القرار مغيبة حاليًا ولكنها تشكل القاعدة الأساسية للاشتراكية. ومن ثم لتحقيق الاشتراكية من المنطقي أن ننظم أنفسنا بالشكل الذي يضمن للجماهير المشاركة والديموقراطية.

مترجم من "تضامن العمال – العدد 127” (أيرلندة)
Source: http://www.anarchistnews.org/content/thinking-about-anarchism-and-organisation?asid=a34bff6a